لم تطو سورية الصفحة، ولكنها فتحت باب الحوار لمرحلة
جديدة من أجل السلام في الشرق الاوسط... كان هذا جوهر خطاب الرئيس
السوري بشار الأسد الذي ألقاه في مجلس الشعب السوري، الاسد الذي اقسم
اليمين الدستورية لولاية ثانية تمتد 7 سنوات مقبلة لا يعرف أحد كيف ستكون
خريطة المنطقة والعالم فيها. الاسد الذي انتخب في أيار 2007 في استفتاء
عام شاركت فيه غالبية الشعب السوري و حصل على 97.62% من الاصوات، في بلد
هو منذ سنوات عدة، يُعدّ محور التوازن الاقليمي، وأحد آخر معاقل
الايديولوجيات العروبية التي على أساسها أنشأ حزب البعث في السيتينيات.بعد
التغييرات الاخيرة في العالم العربي، لم يبق هناك سوى سورية كبلد عربي
وحيد يقف في وجه الامبريالية العالمية المتمثلة بالولايات المتحدة
الامريكية. الولاية الثانية التي منحت للرئيس السوري، أكد فيها الاسد على
نيته المتابعة بذات السياسات الخارجية و الداخلية مع التأكيد على الاصلاح
و التغيير. الأسد الذي ابدى لغاية الآن مستوى و موقف سياسي متميز و حنكة
دبلوماسية رفيعة. و كان قد استلم مقاليد السلطة بعد وفاة والده الرئيس
حافظ الاسد، أبدى بأنه رجل سياسة واقعي و براغماتي، استطاع أن ينأى
بسورية و لوقت طويل عن كل العواصف التي عصفت في المنطقة مؤخراً. و جاءت
ولايته للمرة الثانية من قبل غالبية الشعب، كردّ على كل الضغوط الدولية
التي تتعرض لها سورية. و في خطابه الأخير في مجلس الشعب، أعاد الأسد و
طرح مبادرته للسلام، أعطونا الجولان و خذوا السلام. و كما هو معروف فان
سورية كما لبنان و عدة دول عربية و حركات الجهاد في فلسطين لا تعترف
باسرائيل كدولة. كلمة الاسد كانت الجواب الرسمي الأول، بعد طرح اولمرت
الاسبوع الماضي لمفاوضات مباشرة مع سورية بدون وساطة امريكية.ما نطلبه من
اسرائيل –قال الرئيس الاسد- هو اعلان رسمي و قاطع بانهم سوف يعيدون لنا
أرضنا المحتلة و لا نريد مفاوضات سرية. يجب على الاسرائيليين أن يعيدوا
لنا كامل أرضنا ولا يمكن البدء بأية مفاوضات بدون معرفة النوايا الحقيقية
لاسرائيل.مرة اخرى كالعادة، تأتي الاشارات الايجابية من قبل العرب، من
أجل عملية سلام حقيقية، و في المقابل تأتي من اسرائيل اعلانات مضادة عبر
اولمرت كدعوته لارسال قوات امم متحدة الى غزة، أيضا كما أعلن رئيس
الوزراء الايطالي عن تعديل مهام قوات اليونيفيل في لبنان (من المرجح أن
تصبح مهماتها عدائية و ليست دفاعية لحفظ الامن). سورية التي تقع في قلب
رقعة الشطرنج الجيوسياسية و الاستراتيجية في المنطقة، و تحدها مناطق
الغليان السياسي و الامني في لبنان و العراق و فلسطين، و يتم اتهامها
بشكل مباشر او غير مباشر من قبل الرئيس بوش بزعزعة الاستقرار في كل من
لبنان و العراق، في الحقيقة أن واشنطن تريد أن تبقي سورية دوماً في ضمن
دائرة الضغوط و لذلك تعرقل أي مؤشر ايجابي من دمشق. دمشق لن تغير في
موقفها من السياسات الامبريالية و الصهيونية و قد طرح الاسد مبادرة سلام
عادلة و جادة مع اسرائيل – و كما قال الاسد بان الاشهر القادمة سوف تحدد
مستقبل المنطقة – او الى الحرب المتوقعة التي يبدو بأن رياحها قد بدأت
تعصف في الآفاق. أما في دمشق فتملك القيادة رؤية واضحة: أية مفاوضات سلام
يجب أن تمر عبر بوابة الجولان و الاراضي العربية المحتلة ، و رسالة اخرى
مفادها بان الحرب معنا لن تكون نزهة لاسرائيل. سورية الواقفة بين الحرب و
السلام تعلم بأنه من الصعب جداً على العدو الاسرائيلي أن يقبل هذه
الرسالة الايجابية جدا من قبل الرئيس بشار، حتى و ان قالت اسرائيل
بانها تريد السلام لكنها في الوقت عينه تبقي على احتلال الأراضي العربية.
هذه المفاوضات ان تمت سوف يبنى عليها مستقبل اسرائيل ككيان و ستحدد خارطة
المنطقة لوقت طويل. اللعبة بدأت بين اسرائيل و سورية و كما كانت
المواجهات بين الاثنين... على حد السيف.