عندما يعني الزواج في العرف الإسرائيلي هجر الأهل إلى الأبد

بعض التفاصيل عن مراسم الزفاف الجولاني الحزينة دائماً
أدهم الطويل/ جريدة الوطن السورية


معبر الأحزان والأفراح، معبر الفراق واللقاء، معبر من الوطن إلى الوطن، اسمه معبر القنيطرة، المعبر الذي شهد بالأمس فصلاً بل فصول جديدة من مأساة الأهل في الجولان، المأساة المستمرة، الأغرب من نوعها في العالم.
لم تبدأ الحكاية عند «وعد» ولن تنتهي عندها مادام الاحتلال جاثماً على سهول الجولان وهضابها.
وعد منذر شابة جولانية، كانت مكللة بالبياض والياسمين وبالدموع وهي تجتاز طريقا لم تعرفها من قبل، تلك الطريق المحاطة بالألغام والمحاصرة بالأسلاك الشائكة والتي مازالت تصل الجولان بالوطن الأم، إنها العروس التي زفت إلى ابن خالها مجد منذر في السويداء.
ولكن أي عروس هذه التي ودعت أهلها وبيتها وحارتها ورفيقاتها الوداع الأول والأخير كما يريد الاحتلال الإسرائيلي، ليس هذا فحسب بل أي عرس هذا الذي يفرض على عروس أن توقع للاحتلال على تعهد بعدم العودة إلى أهلها إلى بيت طفولتها وصباها، إلى مسقط الروح والجسد.
بالمقابل وبعد أقل من يوم على عبور وعد إلى عريسها في السويداء كانت ليلى الطويل تنتظر معجزة إلهية كي تعبر هي الأخرى أسلاك الاحتلال الشائكة وحواجز القوات الدولية إلى مدينتها شهبا، لتشارك أسرتها في مراسم دفن والدها الشيخ فواز الطويل.
ليلى المتشحة بالسواد كانت تعرف أن لا شيء من المشاعر والعواطف الإنسانية ينفع مع سلطات الاحتلال، ومع ذلك انتظرت ساعات طويلة على الحاجز الإسرائيلي من معبر القنيطرة على أمل أن يفهم أحد من جنود إسرائيل مدى قسوة ووحشية سلطة تمنع ابنة من وداع والدها للمرة الأخيرة قبل أن يدفن تحت التراب، إلا أن أمل ليلى الضئيل أصلاً سرعان ما تبخر وهو الأمر الذي دفعها إلى اقتحام المعبر عنوة محاولة الدخول من دون تصريح من السلطات الإسرائيلية.. فتصدى لها الجنود الإسرائيليون ومنعوها وراحوا يحاولون إخراجها مع طفليها اللذين اصطحبتهما معها.. لكن جيش الاحتلال وشرطته لم يتمكنا من إخراج ليلى التي تمسكت بتراب الأرض دون الأيدي المحتلة العابثة.. هذه الحالة الجديدة من نوعها فرضت على السلطات المحتلة التعامل معها بجدية وخصوصاً أن وسائل إعلام أجنبية كانت تتابع قضية ليلى، وقد ازداد الأمر حرجا بالنسبة للإسرائيليين عندما أعلنت ليلى أنها ستواصل الاعتصام عند المعبر ولن تبرح المكان إلا إلى وطنها وأهلها.
وإزاء هذا الموقف العنيد لليلى المواطنة السورية التي تزوجت إلى الجولان منذ عشر سنوات تقريبا، اضطرت السلطات الإسرائيلية إلى الاتصال بالصليب الأحمر لتنظيم عبور ليلى، وهو الأمر الذي حدث في اليوم الثاني.
من أرقام المأساة الجولانية المتواصلة على أيدي الاحتلال الإسرائيلي تجاوز عدد الفتيات السورية اللواتي تزوجن من وإلى الجولان الـ165 عروسا، معظمهن تزوجن من الجولان إلى دمشق والسويداء والقنيطرة، وبصرف النظر عن الضرورات والدوافع الإنسانية والاجتماعية والوطنية التي غالبا ما وقفت وراء هذه الزيجات، فقد مثلت في الوقت نفسه أمثلة مؤلمة ومعبرة عن حجم وحقيقة الواقع الإنساني الذي يعيشه أهلنا في الجولان.
في هذا السياق يمكن القول: أولاً ليس هناك حتى الآن قاعدة قانونية ثابتة لدى سلطات الاحتلال في التعامل مع طلبات الزواج من وإلى الجولان، فما تسمح به اليوم قد لا يصح غدا، وبالتالي فإن كل حالة زواج حصلت هي مأساة قائمة بذاتها. وقد علمت «الوطن» أن هناك طلبات كثيرة للزواج من وإلى الجولان مازالت إسرائيل ترفضها منذ ثلاث أو أربع سنوات دون أن تقدم تبريراً مقنعاً.
إضافة إلى ما سبق تكشف الشروط اللاأخلاقية واللاإنسانية التي تضعها إسرائيل للموافقة على انتقال الشابة المتزوجة من الجولان أو إليه عن الطبيعة العنصرية السادية للكيان الإسرائيلي، إذ تشترط على الشابة التي تريد الزواج والانتقال من الجولان المحتل إلى أي منطقة في سورية التوقيع على إقرار بعدم طلب العودة إلى اسرتها في الجولان لأي سبب كان وتحت أي ظرف كان.
عمليا بدأت ظاهرة الزفاف بين سكان والأسر الجولانية من القرى الخمس التي بقيت مأهولة في الجولان منذ بدء الاحتلال، لكنها شهدت ازديادا ملحوظا منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي، وتتم حالات الزفاف هذه بالاتجاهين أي من وإلى الجولان علماً أن الاحتلال يقصرها على الفتيات، وهو ما يعني أن التضحية الكبرى تقع على كاهل الجولانية التي عليها في كلتا الحالتين أن تترك أهلها لتلتحق بمستقر زوجها أكان في الجزء المحتل من الجولان أم في مكان آخر من سورية.
زاوج مقابل هجر الأهل
يعد زواج الفتيات المقيمات في الجولان المحتل من شبان يعيشون في الوطن الأم الأكثر رواجاً وانتشاراً، رغم أنه الأصعب والأكثر مأساوية لأنه يفرض عليهن كما قلنا ترك أسرتهن ربما إلى الأبد، وهو النوع من الزواج الذي لا تعارضه سلطات الاحتلال لأنه ينسجم مع سياستها الواضحة والهادفة للتقليل قدر الإمكان من سكان الجولان المحتل وتهجيرهم، وبالتالي فهي لا تضع العوائق أمام من يريد المغادرة إلى سورية والمكوث فيها بصورة دائمة شريطة ألا يعود للجولان مطلقا.
وقد ازدادت نسبة الزيجات من هذا النموذج بين الجولانيين في السنوات العشر الأخيرة، خاصة طالبات الجولان اللواتي جئن للدراسة في جامعة دمشق، وتزوجن أثناء أو بعد الدراسة الأمر الذي فرض عليهن البقاء والعيش هنا لأن سلطات الاحتلال ترفض قطعاً السماح لهم بالعودة إلى الجولان، لا بمفردهن ولا بصحبة أزواجهن وأطفالهن للعيش أو حتى زيارة أهاليهن، وهو ما يعني مأساة جديدة من الانقطاع بين أفراد الأسرة الواحدة وخاصة على مستوى الأحفاد الذين لا يعرفون أحداً من أسرة الأم «الأجداد، الأخوال والخالات... إلخ».
أما زواج الشبان المقيمين في الجولان المحتل من فتيات يعشن في الوطن الأم فيتم هذا الشكل من الزواج بنفس الطريقة الأولى لكن هذه المرة بصورة معاكسة تقتضي قدوم الزوجة التي تعيش في دمشق مثلا إلى الجولان المحتل للالتحاق بزوجها.
إن «التحاق» الزوجة بزوجها إلى الجولان المحتل هو عملياً مغامرة معقدة وغاية في الصعوبة، تضع قوات الاحتلال أمامها عشرات المعوقات، وقد تماطل في الموافقة عليها سنوات، وكثيرا ما ترفضها نهائيا، ما يضطر الزوج في حالات للبقاء في دمشق والعيش مع زوجته وأطفاله، لكن بعيداً عن والديه وأهله وحيه.
لقد كانت حالات الزفاف بين المواطنين السوريين عبر خط وقف إطلاق النار قليلة نسبيا قبل العام 1991 مقارنة بالواقع الذي نشأ بعد هذا العام.
ففي حين اقتصرت حالات الزواج حتى هذه الفترة على مغادرة عدد محدود من الفتيات للجولان المحتل بهدف الزواج من الأقارب والإقامة الدائمة في دمشق، وما يترتب على ذلك من قطع كافة أشكال التواصل بين الفتاة التي تزوجت وذويها نتيجة لرفض سلطات الاحتلال القاطع السماح بأي شكل من التواصل، وبالتالي حدوث مأساة إنسانية من نوع جديد تتمثل بالتفريق وربما للأبد بين الفتاة وأسرتها التي بقيت في الجولان بعد تركها للجولان بدافع الزواج.
مراسم حزينة للزفاف الجولاني
لعل الجانب الأكثر دراماتيكية في هذه المأساة هو مراسيم الزفاف الغريبة التي لا تشبه أي مراسم زفاف في العالم.
في حالة زواج شاب من طلبة الجولان الدارسين في الجامعات السورية من فتاة في جرمانا أو السويداء أو أي محافظة سورية، يقيم أهل العريس خلال عطلة الصيف حفلة زفاف لولدهم تقتصر عادة على حضوره هو وأفراد أسرته ومعارفهم في الجولان، وبعد انتهاء عطلة الصيف ومغادرة العريس إلى دمشق، تجري العادة بأن تقام كافة مراسم الزواج التي تقتصر على حضور العروسين بما فيها الاحتفالية في دمشق، مع أهل العروس دون مشاركة أهل العريس في أي منها بسبب تعذر سفرهم إلى دمشق. وفي حالات معينة تقام مراسم احتفالية بالزفاف في حال عودة الزوجين إلى الجولان.
أما الفتاة التي تتزوج من الجولان إلى الوطن الأم، فيقيم أهلها حفلا لها قبل مغادرتها الأبدية بيوم أو يومين، وغالبا ما يتحول الحفل إلى مناسبة حزينة تذرف فيها الكثير من دموع الألم والحزن والوداع بدل دموع الفرح.
ويحضر أهل العروس كافة متطلبات زفافها وإجراء المراسم الاحتفالية، ثم يرافقونها في اليوم الثاني إلى نقطة المراقبة التابعة للأمم المتحدة الموجودة في مدينة القنيطرة وسط الجولان، فتعبر بثوب زفافها الأبيض حقول الألغام والأسلاك الشائكة، محروسة برجال الصليب الأحمر إلى أن تصل إلى أول الأرض المحررة فتسافر إلى دمشق، ليقام لها مراسم زفاف بحضور العريس وأهله هذه المرة لكن بعيداً عن أهل العروس.
إن الإجراءات التي تفرض على مواطني الجولان اتباعها لإنجاز طلبات الزواج من أو إلى الجولان، لا تقل تعقيدا ومرارة عن عملية الزواج ذاتها.
فعلى الراغبين بالزواج تقديم طلبات خاصة للجنة الدولية للصليب الأحمر ولمكتب الداخلية التابع لسلطات الاحتلال الإسرائيلي، تحت عنوان لم شمل العائلات، علما أن دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر يقتصر في هذه الحالات على التنسيق الإنساني، مثل نقل قوائم الطلبات والأسماء، بين الحكومة السورية وسلطات الاحتلال صاحبة القرار الأول والأخير في هذه الحالات التي غالبا ما تلجأ للمماطلة والرفض خاصة في الحالات التي يفترض بموجبها قدوم الفتيات من سورية إلى الجولان بهدف الزواج والإقامة الدائمة فيه.

أدهم الطويل/ جريدة الوطن السورية

 

للرجوع

 

 

 

للتعقيب