أشاعوا أنها ستقدم منهم شقيقاً لولي عهد بريطانيا ... ديانا الأميرة ... رمز الضحية جعلها أسطورة لدى العرب
بيروت – رنا نجار الحياة - 31/08/07

عشر سنوات مضت على وفاة الأميرة ديانا ورجل الأعمال المصري دودي الفايد. عشر سنوات تبدّلت خلالها حكومات وانهارت أنظمة وشُنّت حروب ومات عشرات الألوف، وما زالت أخبار «أميرة القلوب» تغزو صفحات الجرائد وشاشات التلفزة وأفلام السينما وحتى الكتب. عشر سنوات وما زال منتجو الأفلام في هوليوود يتنافسون بملايين الدولارات لشراء حق تحويل كتاب «ديانا والمصوّرون المتطفّلون» الذي يروي الأحداث غير العادية التي تعرّضت لها أميرة ويلز. وقد تكون ديانا المرأة الأشهر في العالم في القرن العشرين، قد تكمل شهرتها في القرن 21 بعد وفاتها، كونها ليست فقط رمزاً محبوباً، بل الشخصية الأكثر شعبية في العالم التي استطاعت أن تجمع شعوب الشرق والغرب على محبتها.
عشر سنوات لم تكن كافية لتتضاءل شهرة المرأة «الأسطورة»، حتى في البلدان النامية كالبلدان العربية التي يغرق شعبها في أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية جمّة. وقد لا تكون متابعة أخبار ملابسات وفاتها تنحصر بطبقة أو فئة معيّنة من الناس. فهي شغلت الملايين وما زالت، في حياتها وبعد مماتها. وتأتي مصر من بين الدول العربية الأكثر اهتماماً على الصعيد الشعبي بقضية ديانا، على اعتبارها الـ «خَوَجاية» العظيمة التي أحبت «ابن البلد» والتي لو قدّر الله لها العيش، لكانت أم ولي عهد بريطانيا وشقيقه المواطن المصري العادي! فقصة حمل ديانا من دودي، من أكثر الإشاعات التي ترسّخت في أذهان العرب وخصوصاً المصريين. وعليها صارت تُنسج الحكايات الشعبية والقصص الطريفة التي تتخيّلها العامة.
وفي وقت من الأوقات «احتلّت تلك القصة محور أحاديث شريحة واسعة من الناس حتى من ذوي الاهتمامات السياسية والثقافية ورجال الأعمال» بحسب ما يُخبرنا الصحافي المصري الشاب أحمد. ويسأل أحمد منبهراً: «هل تتخيلين أن يكون مواطن مصري أسمر ومسلم أخاً لولي العهد البريطاني الأشقر؟»، ويضيف: «الناس كانت تنتظر ذلك بفارغ الصبر. فالموضوع كان أشبه بفيلم أو أسطورة. وهذه الأخوّة لو حصلت كانت ستُغيّر التاريخ، كونها بمثابة ثورة عالمية تجمع أخوين من قطبين (الشرق والغرب) متناحرين منذ آلاف السنين». ويعتقد أحمد أن الحكاية بحدّ ذاتها كانت مادة دسمة لغالبية الشعب المصري الذي يهوى التمثيل والأفلام والمسلسلات والحياة غير العادية في شكل عام.
وليس بعيداً من ذلك، وصول الإشاعة فعلاً إلى السينما المصرية وأهم مخرجيها، إذ تناقلت الصحف المصرية أخباراً حول تحضير المخرجة إيناس الدغيدي فيلماً مقتبساً عن حياة الأميرة ديانا، لكنه يأخذ منحىً مختلفاً كونها كانت ستُدخل عنصراً أساسياً في مشاهد الفيلم وهو ذهابها إلى شيخ الأزهر لتشهر إسلامها. كما حُكي عن تحضير المخرج خيري بشارة فيلماً آخر عن حياة أميرة ويلز وعلاقتها بالمصري دودي الفايد. هذا عدا عشرات الأفلام الوثائقية والبرامج التلفزيونية التي أنتجتها محطات عربية، تناولت حياة ديانا وملابسات وفاتها.
لكن، ما سرّ كل هذا الاهتمام العربي بأميرة أجنبية؟ وكيف يُخصّص العرب وقتاً للاهتمام بقضية أميرة بريطانية، في الوقت الذي يغرق كل فرد منهم بمــشكلات شخصية ووطنية قد لا يُشفى منها؟ تعتبر أستاذة علم النفس والمعالجة النفسية الدكتورة رجاء مكي، أن هذه المشكلات هي مكمن الاهتمام بأخبار أميرة القلوب. وترى أن القلق والضغط جراء الانغماس في القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تحاصر المواطن في معظم البلدان العربية، يضطرانه إلى اللجوء إلى مساحة تمويه تنسيه همومه، وغالباً ما تتركز على أشخاص يتحوّلون إلى رمز كالأميرة ديـــانا.
وتشرح مكي أن الرمز هو مثال تُضفى عليه في غالبية الأحيان صفات خيالية لأنه تجسيد لأشياء يودّ الانسان أن يقوم بها، موضحة أن الرمز ينطلق من بعض الصفات الواقعية ليُصبغ بصفات مثالية لا نملكها، لكن نتوق إلى امتلاكها.
وفي هذا الإطار فإن ديانا المرأة البسيطة والزوجة في البلاط الملكي والأم الرؤوم والناشطة الاجتماعية المناصرة لحقوق الانسان والقريبة من الطبقات الوسطى والفقيرة ورمز الموضة العالمية، لديها مواصفات كاريزمية تجذب الناس.
وترى مكي أن ديانا بهذه الصفات جسّدت الأمل لأبناء الطبقتين الوسطى والفقيرة بالخروج من العوز. وتتابع مكي أن الرمز هنا مجرّد وغير ملموس يحاول الناس من خلاله الخروج من وطأة العيش اليومية. كما تشير الى أن الناس، خصوصاً أصحاب القدرات المحدودة، يحتاجون إلى مثال، وديانا بهذه الصفات، إضافة إلى جمالها الجذاب استطاعت أن تمثّل لدى هذه الفئة من الناس إضافة إلى الصفة المعنوية، الحلم بالجمال. وتستنتج أن هؤلاء يحتاجون إلى رموز تُخفّف عنهم وطأة عدم «التمكّن» من الوصول إلى الأشياء في شكل عام.
لكن، بعد غياب أميرة ويلز، ما الذي يثير الاهتمام بها يوماً بعد يوم؟ تؤكد مكي أن غيابها يعطي لشخصها تجسيدات رمزية أكبر لأنها ماتت في ظروف غامضة، والغموض غير المتّفق على تحديده حولها بحدّ ذاته إلى رمز ذي شعبية أوسع مما كانت عليه في حياتها.
وتعتقد مكي أن الأميرة ديانا كانت تمثّل الوسيط بين الأعلى والقوي، المتمثّل بالقوى العظمى ومنها بريطانيا، والأدنى والضعيف المتمثل بدول العالم الثالث ومن ضمنها الدول العربية. كما كانت تمثّل، بحسب رأيها، الوسيط بين الطبقة الفقيرة والطبقة الثرية.
وتشير إلى أن مشكلة ديانا مع العائلة البريطانية الحاكمة والتي جعلتها تبدو كضحية جذبت الناس للوقوف في صفّها، إضافة إلى ان علاقتها الغرامية بشخص عربي ومنعها من الزواج منه بطريقة أو بأخرى، جعلتهم يتماهون معها في شكل معنوي.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن غالبية العرب يعتقدون بنظرية المؤامرة ضد ديانا، التي لا يكفّ رجل الأعمال المصري ووالد دودي محمد الفايد، عن الحديث عنها. خصوصاً بعد تصريحات الصحافي نيكولاس ديفيز المتخصّص بالتحقيقات الجنائية والبحثية والذي كان على صداقة مع الأميرة الراحلة، بأن «ديانا قتلت لأن رؤساء الاستخبارات الداخلية البريطانية كانوا يخشون أن تعلن أميرة ويلز على الملأ مناصرتها للفلسطينيين، الأمر الذي كان سيغضب اسرائيل ويشعل أزمة الشرق الأوسط».
لكن المثير للجدل، أن حب الناس للأميرة ديانا جعلهم يتغاضون عن كل أخطائها التي لا تغتفر في المجتمع العربي التقليدي ومنها خيانة زوجها وإشاعة حملها بطريقة غير شرعية من صديقها العربي. بل العكس، كانت ديانا بالنسبة اليهم أشبه ببطلة فيلم مشوق تمثّل فيه دور ضحية يتعاطف معها المشاهد.

للرجوع

 

 

 
  للتعقيب